الشرق الأوسطقصص التجسس والجاسوسية

حرب الجواسيس بين إيران وإسرائيل

على مدار عامين، تمكنت الاستخبارات الإيرانية من إنشاء شبكات تجسس داخل إسرائيل، حيث قامت بتزويدها بمعلومات أمنية واستخباراتية حساسة، بالإضافة إلى مواقع عسكرية ذات أهمية كبيرة. وقد تم دفع مبالغ مالية مقابل هذه المعلومات، حيث تتفاوت قيمتها بناءً على أهمية كل معلومة. كما شملت الأنشطة الإيرانية أعمالًا تهدف إلى زعزعة الاستقرار السياسي داخل إسرائيل

ورغم مرور عامين، لم تتمكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من كشف هذه الخلايا، التي زادت من نشاط إيران الاستخباراتي مع بداية حرب “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023.

وقد أظهرت الملفات المتعلقة بالمشتبه فيهم في المحاكم الإسرائيلية أن الوكلاء الإيرانيين تمكنوا من تجنيد المزيد من الأفراد باستخدام وسائل متنوعة، بما في ذلك إقامة علاقات عبر شبكات التواصل الاجتماعي وتأسيس علاقات عمل تحت أسماء يهودية وباللغة العبرية

Screenshot

خلال شهرين، تمكن جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” من الكشف عن خمس شبكات تجسس، من بينها شبكة تضم أربعة فلسطينيين من القدس، بينما كان الباقون يهودًا من سكان إسرائيل. حصل هؤلاء الأفراد على مبالغ مالية كبيرة مقابل تزويد إيران بأكثر من 1000 معلومة، حيث كانت 600 منها فقط من شبكة واحدة تتكون من سبعة إسرائيليين يهود، وكان رئيس هذه الشبكة طالبًا في السنة الثانية من دراسة علم النفس. بدأت العلاقة معه من خلال وكيلين إيرانيين عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أقنعوه بتجنيد المزيد من الأفراد، مما أدى إلى إنشاء غرفة تجسس خاصة داخل منزله، تم تجهيزها بمعدات متنوعة لجمع المعلومات ونقلها إلى إيران.

تزامنت هذه الأنشطة مع الضربة الإيرانية الأخيرة على إسرائيل، حيث أُطلقت بين 180 و200 صاروخ باليستي، استهدفت بشكل رئيسي قواعد عسكرية بدقة عالية. وقد أعلنت إيران عن تفاصيل الإصابات، مما أثار الشكوك حول وجود عناصر داخلية تزودها بالمعلومات.

كانت عملية استهداف قاعدة لواء غولاني بارزة بشكل خاص، حيث أسفرت عن مقتل وجرح عدد من الجنود الإسرائيليين.تزايدت الشكوك حول وجود مخبرين داخل إسرائيل بعد نشر تفاصيل العملية، مما دفع جهاز “الشاباك” إلى تشكيل مجموعات خاصة للتحقيق في إخفاقات العملية.

وقد تمكن من تحديد شبكة اليهود السبعة، بالإضافة إلى الفلسطينيين الأربعة من القدس، بعد الكشف عن ثلاث شبكات أخرى.وفقًا لمسؤولين في أجهزة الأمن، لا يزال النشاط مستمرًا للكشف عن مزيد من الشبكات أو الأفراد الذين يعملون لصالح إيران، حيث تواصل المحاكم الإسرائيلية النظر في لوائح الاتهام وطلبات تمديد اعتقال المعتقلين

تعتبر الخلية التي تضم سبعة يهود من حيفا وبلدة نوف هجليل المجاورة لمدينة الناصرة في الشمال من بين الأكثر إثارة للقلق، حيث تسببت في أضرار جسيمة للوضع الأمني والعسكري نتيجة المعلومات التي قدمتها لإيران، والتي تجاوزت 600 معلومة مقابل ملايين الدولارات.

من خلال مراجعة ملف شبكة اليهود السبعة المقدم إلى المحكمة، يتضح أنهم قاموا بتصوير وجمع معلومات حول القواعد والمنشآت العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي، مع التركيز على قواعد مثل “نيفاتيم” و”رمات ديفيد”، اللتين تعرضتا لقصف عبر عدة صواريخ باليستية خلال الهجوم الإيراني الأخير.

كما شملت المعلومات تفاصيل عن مبنى قيادة الجيش ووزارة الأمن في تل أبيب المعروف باسم “الكرياه”، حيث تُعقد معظم الاجتماعات الأمنية، بالإضافة إلى “الكابينت” والخطط الحربية، وكذلك اللقاءات مع شخصيات دبلوماسية وأمنية أجنبية خلال زياراتها إلى إسرائيل، خاصة في أوقات الحرب. تحت هذا المبنى، يوجد ملجأ القيادة الإسرائيلية الذي تُعقد فيه الاجتماعات خلال الأزمات.

ساهم وجود جندي إسرائيلي هارب من الجيش في تعزيز قدرة الشبكة على جمع معلومات دقيقة، حيث قدم مساعدات كبيرة بفضل اطلاعه على معسكرات الجيش وقواعده، مما أتاح له معرفة تفاصيل حول مواقع منظومات “القبة الحديدية” المنتشرة في مختلف المناطق داخل إسرائيل، والتي كانت مستهدفة خلال الضربات الإيرانية، بالإضافة إلى القصف الصاروخي والطائرات المسيرة.

كما تضمن ملف “السبعة” خرائط لعشرات المواقع الاستراتيجية في إسرائيل، بما في ذلك قاعدة لواء غولاني، بالإضافة إلى القواعد البحرية والموانئ والبنى التحتية للطاقة، مثل محطة توليد الكهرباء في الخضيرة (منطقة حيفا).من المتوقع أن يتم تقديم لوائح اتهام ضد “السبعة” يوم الجمعة المقبل، 25 أكتوبر الجاري، ومن المرجح أن تصدر بحقهم أحكام طويلة الأمد، خاصة فيما يتعلق بتهمة التعاون مع عدو وتهديد أمن إسرائيل.

تظهر ملفات “السبعة” أنهم نفذوا مجموعة متنوعة من المهام على مدار عامين دون أن يتم كشفهم، وهي نفس الحالة التي تنطبق على بقية الشبكات والأفراد الذين كشف عنهم جهاز “الشاباك” مؤخرًا. خلال هذه الفترة، حصلت إيران على معلومات دقيقة وشاملة تتعلق بالأمن والاستراتيجيات، بما في ذلك تصوير مواقع مختلفة في إسرائيل، وفقًا لما ذكره مسؤول أمني.

وأشار هذا المسؤول في “الشاباك” إلى أنه “كجزء من التحقيق، تم الاستيلاء على العديد من المواد التي جمعها المعتقلون، والتي تم نقلها إلى عملاء إيرانيين، بما في ذلك صور ومقاطع فيديو لعدد من قواعد الجيش الإسرائيلي في جميع أنحاء البلاد، والموانئ، والبنى التحتية للطاقة في إسرائيل. كل ذلك حدث في وقت تخوض فيه إسرائيل صراعات متعددة، وبحسب تقديراتنا، فإن نشاط العملاء أدى إلى أضرار جسيمة لأمن إسرائيل”.كما خضع المتهمون في مختلف خلايا التجسس لتحقيقات موسعة، حيث كشفت ملفاتهم عن خطورة ونطاق الحوادث، التي تُعتبر من أخطر عمليات التجسس التي شهدتها إسرائيل

في هذه الأثناء، اعتبر ليئور أكرمان، المسؤول السابق في “الشاباك”، أن إيران ستستمر في محاولاتها لتجنيد الإسرائيليين لأغراض التجسس وتنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية، مستغلة الجشع المالي لدى العديد من الأفراد.

وأشار إلى أن الإيرانيين يعملون على نطاق واسع عبر الشبكات الاجتماعية والملفات الشخصية المزيفة، حيث قاموا في الماضي بتجنيد إسرائيليين أبرياء نسبيًا للقيام بمهام جمع المعلومات لصالحهم.

ومع بداية الحرب، لاحظ أكرمان أن أساليب التجنيد قد تغيرت، حيث أصبحت أكثر غرابة، إذ يعتمد الإيرانيون على تحديد مواقع الإسرائيليين وتجنيدهم لتنفيذ هجمات داخل إسرائيل مقابل المال. بل إن بعض الحالات تتضمن نقل هؤلاء الأفراد سرًا إلى اجتماعات في إيران، مما يعني أن من يتعامل معهم يكون على دراية كاملة بما يقوم به.وأضاف أكرمان أن “الشاباك” تمكن من كشف هذه الشبكات والأفراد وإحباط عمليات خطيرة، رغم المعلومات الهائلة التي تم نقلها إلى الإيرانيين والتي ساعدتهم في تنفيذ عملياتهم ضد إسرائيل. ودعا سلطات القانون إلى فرض عقوبات صارمة في هذا المجال، وخلق دعاية فعالة حول هذه الحوادث لتعزيز الردع ومنع تكرارها في المستقبل.

لم يخف جهاز “الشاباك” قلقه من أن إيران، من خلال نشاطها الواسع على شبكات التواصل الاجتماعي وابتكاراتها المتعددة، ستتمكن من العثور على العديد من الإسرائيليين المستعدين للتعاون معها، خاصة من أجل المال.وحذر “الشاباك” من أن الإيرانيين يعملون على تجنيد العملاء عبر منصات العملات الرقمية ومواقع البحث عن الوظائف، حيث يضع الحرس الثوري الإيراني في أولوياته استهداف كبار المسؤولين الإسرائيليين وتنفيذ عمليات اغتيال.

Screenshot

وفقًا لملفات المتهمين، قدم المسؤولون الإيرانيون مبالغ مالية كبيرة لإغراء الإسرائيليين للقيام بمهام متنوعة، حيث قدموا أنفسهم كجهات توظيف تسعى لتوظيف الإسرائيليين في مهام بأجور مرتفعة.من بين أخطر المهام، تم عرض 100 ألف دولار مقابل اغتيال عالم إسرائيلي من تل أبيب يُدعى فلاديمير فيرخوفسكي (35 عامًا). ووفقًا للملف المقدم إلى المحكمة، فقد تلقى فيرخوفسكي مدفوعات بعملات رقمية لتنفيذ مهام مختلفة لصالح الاستخبارات الإيرانية، بما في ذلك كتابة شعارات على الجدران ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.في إطار التخطيط لعملية الاغتيال، طلب وكيل إيراني منه التوجه إلى موقع محدد، حيث عثر هناك على مسدس ودليل يشرح كيفية تنفيذ عملية اغتيال العالم الإسرائيلي. كما تلقى وعدًا بالمساعدة في تهريبه إلى روسيا بعد تنفيذ العملية

تبين أن الإيرانيين تمكنوا من الوصول إلى فيرخوفسكي عبر تطبيق “تيليغرام”، حيث تواصل معه شخص يُدعى إيلي، وفقًا لجهاز “الشاباك”. وقد تظاهر إيلي بأنه مواطن إسرائيلي وسأله عما إذا كان يرغب في كسب المال. وعندما أجاب فيرخوفسكي بالإيجاب، أرسل له 10 دولارات عبر تحويل مالي ليطمئنه بشأن إمكانية الحصول على المال.بعد عدة أيام، طلب وكيل إيران من فيرخوفسكي كتابة شعارات، فقام بذلك على الجدران في شارع بارزيلاي، وفي محطة القطار في تل أبيب وأماكن أخرى. من بين هذه الشعارات كانت “نتنياهو = هتلر”، وتلقى مقابل كل شعار 30 دولارًا.خلال شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) الماضيين، نفذ فيرخوفسكي بعض المهام التي كُلف بها، بما في ذلك دفن حاويات بلاستيكية مزودة بأجهزة تتبع بالقرب من مقبرة في بيتاح تكفا (وسط)، بالإضافة إلى إرسال مقاطع فيديو من تظاهرات في تل أبيب في محاولة للتواصل مع متظاهر آخر.

أظهرت المعلومات المتعلقة بشبكات العملاء وجود تسعيرات متفاوتة بشكل كبير حسب نوع المهمة. فعلى سبيل المثال، تم دفع 30 دولارًا مقابل كتابة شعار، بينما كانت قيمة الاغتيال تصل إلى 100 ألف دولار. كما دفع الإيرانيون 200 دولار لكل عميل لتغيير جهاز هاتفه، حيث استخدم جميع العملاء هواتف من نفس النوع.أما بالنسبة لمهمة دفن وإخفاء المعدات المستخدمة في نقل المعلومات، فقد حصل العميل على 100 دولار مقابل كل عملية دفن، بما في ذلك دفن جهاز تتبع في منطقة معينة

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى